ابن كثير
208
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبد الملك باني جامع دمشق ، فمات وهي في الطريق ، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده ، فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة ، ويقال : إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود عليهما السلام ، فاللّه أعلم . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم ، عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك . قال « وتفعلون ؟ » قالوا نعم . قال فدعا ، فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة . قال « بل باب التوبة والرحمة » ثم رواه أحمد وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 116 إلى 118 ] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 116 ) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) هذا أيضا مما يخاطب اللّه به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون اللّه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد ، هكذا قاله قتادة وغيره ، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وقال السدي : هذا الخطاب والجواب في الدنيا ، وقال ابن جرير : وكان ذلك حين رفعه إلى سماء الدنيا واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين [ أحدهما ] أن الكلام بلفظ المضي . [ والثاني ] قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ و وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ « 2 » . وهذان الدليلان فيهما نظر ، لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت . ومعنى قوله إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الآية ، التبري منهم ، ورد المشيئة فيهم إلى اللّه ، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه كما في نظائر ذلك من الآيات ، والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر ، واللّه أعلم ، أن ذلك كائن يوم القيامة ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة . وقد روي بذلك حديث مرفوع ، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد اللّه مولى
--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 242 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 5 / 138 وفيه شرح للمعنيين المشار إليهما بأوضح مما هنا .